ذاكرة الطين والبحر: محطات من سيرة القلم
المحرق .. الميلاد الملتبس:
ولدتُ في جزيرة المحرق، تلك اللؤلؤة التي تعد ثاني أكبر جزر مملكة البحرين، وكان ذلك في عام 1958م وفقاً للوثائق الرسمية. غير أن لوالدتي (رحمها الله) رواية أخرى؛ إذ كانت تستذكر “أهواء” والدي (رحمه الله) في التلاعب بأعمارنا زيادةً أو نقصاً، رغبةً منه في استكمال إجراءات وثائق السفر، فكانت تدندن دائماً حول سنة أو سنتين أُضيفتا إلى عمري الحقيقي.
لطالما استعذبت والدتي الحديث عن ولادتي “الشقية”؛ فقد كانت مخاضاً عسيراً كاد أن يوقعها في حرجٍ بالغ مع جدتي (أم والدي)، حين غافلتها وخرجت في نزهة خلوية مع أخواتها، ليداهمها المخاض هناك بعيداً عن أعين الرقابة المنزلية.
عصامية الأب وغياب السند:
انحدرتُ من أسرة كدحت في سبيل العيش؛ كان والدي رجلاً متعلماً بمقاييس زمنه (خريج الصف الرابع من مدرسة الهداية الخليفية)، وقد جاهد ليوفر لنا حياة كريمة، فاتخذ من الغربة سبيلاً لتأمين رزق أطفاله الثمانية. ارتحل إلى المملكة العربية السعودية للعمل، متنقلاً بين منشآت النفط وشركات الإنشاءات الأجنبية شرقاً وغرباً.
في غيابه، عشت طفولة مثيرة، فوضوية، وخالية من الرقابة، لكنها كانت مثقوبة بسبب غياب الأب الذي لم تستطع أمي ردم هوته؛ فقد كانت غارقة في لجّة أعباء البيت، لتترك زمام تربيتنا لأختي الوحيدة، التي يعود إليها الفضل الأول فيما بلغناه اليوم.
شيخة والرحيل الغامض:
في تلك الوحدة، ارتميتُ في أحضان جارةٍ كانت هي الأخرى تقتاتُ على وجع غياب ابنها “العاصي”. أصبحتْ هي مربيتي التي لا أقوى على فراقها، وأمي التي لا أستغني عن حنانها. وكما دخلت حياتي مباغتة، غادرتها بذات الفجيعة والغموض في قصة درامية لا تزال تفاصيلها تكتنفها الألغاز، وقد ظل هذا الحادث تحديداً هو الهاجس الأكثر إلحاحاً على قلمي في عالم الكتابة.
أحياء المحرق .. بين “بن هندي” و“سيادي“:
قضيت أجمل أيام صباي في حي “بن هندي”، هذا الحي الذي يدفئ خاصرة البحر بحكايات المغتربين العمانيين. هناك نبتت حكاياتي مع مربيتي “شيخة” العمانية الأصل، وهناك سُكبت دموعي حين اقتلعتني الأيام من حضنها الدافئ.
مع تحسن أحوالنا المادية، انتقلنا إلى حي (سيادي) أو (ستيشن) كما كان يسمى في رقعته الواسعة نسبة إلى أنه كان في السابق محطة للسيارات القديمة. هو حي يزهو بكآبته وناسه الدخلاء. كان حياً بائساً لا تطل شرفاته على زرقة الماء، ولذلك لم أفلح في بناء صداقات؛ إذ كانت نظرات أطفاله مريبة، وطينه بارداً لم يحتوِ قلبي الصغير.
المدرسة .. المصباح الذي أضاء العتمة:
كان دخولي المدرسة بمثابة المصباح السحري الذي فكّ مغاليق عوالم موصدة. مدرسة “خالد بن الوليد” لم تكن مجرد صرح تعليمي، بل كانت امتداداً حميماً لحي “بن هندي”، ربما بسبب بنائها الذي كان بيتاً وهبه أحد الأعيان لأطفال الحي، أو لروح الأسرة التي جمعت الطلبة والمعلمين.
انتقلت بعدها للمرحلة الإعدادية في مدرسة “طارق بن زياد”، ذلك المبنى الحديث الرابض على شاطئ البحر. أتذكر أنني في يومي الأول، ركضت بكل قوتي لأحجز مقعداً بجوار النافذة، طمعاً في مراقبة الموج، وكدت أتعثر على السلالم في غمرة شغفي.
الصفعة الأولى والدرس القاسي:
تلقيتُ في تلك المدرسة أول صفعة في حياتي من أستاذ الجغرافيا (السيد طه)؛ لفشلنا جميعاً في الإجابة عن سؤال بسيط: “ما اسم البحر الذي تطل عليه مدرستكم؟”. كان الجواب البديهي “الخليج العربي”، فنحن جزيرة يحيط بها الماء من كل الجهات. كان درساً لا يُنسى في التفكير والنباهة استوعبته مبكراً.
الهداية الخليفية .. عودة الأب وكبوة الرياضيات:
عاد والدي أخيراً من غربته، ليعيد للبيت دفئه ويصبح سندي في مواجهة إخوتي الكبار الذين رأوا فيّ طفلاً مدللاً، كل طلباته تلبى قبل أن تُطلب. بفضله انخرطتُ في الحركة الكشفية التي صقلت شخصيتي وعلمتني الاعتماد على النفس.
تابعتُ مسيرتي في “الهداية الخليفية”، المدرسة التي افتتحت في العام 1919م وارتادها حتى أنهى الصف الرابع والذي يوازي شهادة الثانوية العامة. للمرة الأولى في حياتي أتعثر دراسياً؛ فرسبتُ في الرياضيات بسبب مشاركتي في الإضرابات الطلابية التي أنطلقت شرارتها بنداءات من الرئيس (جمال عبدالناصر)، وكذلك إدماني على القراءات الأدبية.
رحيل العمالقة.. وتفتق الموهبة:
عشتُ مرارة الفقد برحيل زعيم الأمة العربية (جمال عبد الناصر) في العام 1970م، القائد الذي حملت اسمه برغبة من والدي، ثم رحيل كوكب الشرق أم كلثوم عام 1975م التي علمتنا الحب، ثم العندليب عبد الحليم حافظ عام 1977م.
في تلك الفترة، اشتعلت في داخلي جذوة الكتابة، فكنت أتسلل من المدرسة إلى مبنى المكتبة العامة المقابل للمدرسة، أغرق في عوالم (نجيب محفوظ) وأنهل من رومانسيات (إحسان عبد القدوس)، وشاعرية (نزار قباني).
الرياض .. الغربة القاسية وتجربة اكتشاف الذات:
تخرجتُ من الثانوية بتقدير “جيد جداً”، وهو إنجاز أثلج صدر والدي. ورغم رغبته في التحاقي بدراسة الهندسة، إلا أن الكلمة كانت للأقدار التي قادتني لدراسة “الصيدلة” في جامعة (الملك سعود) بالرياض في العام 1978م. كانت الغربة هناك فرصة لإعادة اكتشاف الذات بعيداً عن التجاذبات السياسية التي حذرني والدي من الإنغماس فيها.
في الرياض، تفرغتُ للقراءة والكتابة، وبدأتُ بنشر الشعر بتشجيع من الدكتور (علوي الهاشمي) في باب (حقيبة الأدب) من مجلة (البحرين) التي تصدر عن وزارة الأعلام. ثم تحولتُ للقصة القصيرة بعد نقد من الشاعرة (منى غزال)، التي نصحتني بترك الشعر والتوجه للنثر.
الاحتراف الثقافي والجوائز:
عدتُ للبحرين عام 1982م محملاً بالأحلام. بدأتُ النشر في الصحافة الخليجية بفضل الدعم الكبير من سعادة سفير البحرين في موسكو الأستاذ (أحمد الساعاتي) الذي كان وقتها مدير مكتب جريدة (الخليج) الإماراتية في البحرين. في العام 1986م أصدرتُ مجموعتي الأولى (ليلة دافئة) بدعم من المرحوم طارق المؤيد، وزير الإعلام آنذاك بعد أن حالت التوترات السياسية في تلك الفترة من نشر الكتاب مع (دار الشروق) القطرية. ثم توالت الإصدارات حتى انضممت لـ (أسرة الأدباء والكتاب) بمباركة الشاعر الكبير (قاسم حداد). ثم جاء الانتشار العربي عبر (دار سعاد الصباح) التي تبنت مجموعتي القصصية (وليمة للنوارس اللطيفة) وروايتي الأولى (الساحلية).
استمر العطاء الأدبي بحصولي على جوائز محلية تمثلت بفوز ثلاث أعمال سردية بـ (جائزة البحرين للكتاب المتميز)، هي: (رائحة الليل) للعام 2004م، وروايتيّ (الساحلية) للعام 2006م، و (الكائنات) للعام 2007م. كما نالت مواقعي الإلكترونية نصيبها من التكريم، وذلك بالفوز بـ (جائزة البحرين للمحتوى الإلكتروني) عن فئة الثقافة الإلكترونية لموقع: (مقهى الثقافة العربي) للأعوام 2005م، 2007م و 2009م. وعن موقعي الشخصي (الجهات المستحيلة) للعام 2011م .
ثالوث العائلة، الكلمة والعدسة:
اليوم، أعيش حياة أسرية هادئة ومستقرة، متزوج منذ عام 1982م وأب لثلاثة أبناء. ورغم عملي الطويل في القطاع المصرفي (بنك الخليج الدولي) الذي أمتد لثلاث عقود، إلا أن شغفي كان دائم الحضور في المجال الإبداعي. استعدت شغف التصوير الفوتوغرافي الذي كان حاضراً، وأصبحت عضواً في (نادي التصوير) التابع لـ (جمعية البحرين للفنون التشكيلية)، وأصبحت الصورة ملاذاً مكملاً للكتابة. أصبح التصوير الفوتوغرافي رئة أخرى أتنفس بها بجانب الكلمة. وجدت في منصة (الإنستغرام) مختبراً حياً لهذا المزج الإبداعي؛ حيث لم تعد اللقطة مجرد صورة صامتة، بل أصبحت منطلقاً لنص سردي وجداني يستلهم روحه من ملامح (الناس) في (حياة الشارع). من خلاله، ربطتُ بين عين المصور وبصيرة الكاتب، فأصبحت كل صورة أنشرها تمثل موقف، وكل لقطة مشروع نص أدبي يحاكي أجواء اللحظة وتفاصيلها، مما حرك مشاعر متابعيني وتفاعلوا معها، نصاً وصورة.
وفي الختام .. أفق الضوء والكلمة حين تكتمل الحكاية:
أقف اليوم، وفي جعبتي تاريخ من المحطات الملونة بالحنين، لأتطلع نحو أفقٍ لا يحده إطار صورة ولا تنتهي عنده سطر رواية. طموحي ككاتب لا يتوقف عند رصد الواقع، بل يمتد إلى استنطاق المسكوت عنه في النفس البشرية، وإعادة صياغة (الهوية البحرينية) في قوالب سردية تزاوج بين الحداثة وعبق الجذور؛ أحلم بكتابة النص الذي لم يكتب بعد، النص الذي يلمس الوجع الكوني بنكهة محلية، ويترك أثراً في الوجدان العربي كوشمٍ لا يمحوه الزمن.
أما في عالم الفوتوغرافيا، فإن طموحي يتجاوز حدود “اللقطة” ليصبح “شهادة” بصرية على العصر. أسعى لأن تكون عدستي امتداداً لقلمي، ترسم بالضوء ما عجزت عنه الكلمات، وتقتنص تلك اللحظات الهاربة من وجه الزمن؛ ولأنني أؤمن بأن الكلمة والصورة هما رئة واحدة يتنفس بها الإبداع، فإن غاية طموحي تتبلور في مشروع فني استثنائي يكسر الحواجز بين الفنون؛ كتاب يجمع بين سردي القصصي ورؤيتي البصرية، يتجسد حياً في معرض فني متكامل، حيث تتحاور اللوحة الفوتوغرافية مع النص الأدبي، ليختبر المتلقي تجربة شعورية مكتملة الأركان، يرى فيها الحكاية ويقرأ فيها الصورة. هي رحلتي المرتجاة للبحث عن (الحقيقة) في صراعها الجميل مع (الخيال)، سواء كان ذلك بمداد القلم أو بوميض العدسة.
